السيد كمال الحيدري

169

الإنسان بين الجبر والتفويض

ومع مشروعية الطريقين الآفاقي والأنفسي في معرفة الله سبحانه ، إلّا أنّ من السهل أن نلحظ ترجيح النصوص للمعرفة الأنفسية بوصفها الطريق الأفضل والأكمل المؤدّي إلى الله . فالذي يشتغل على خطّ المعرفة النفسية بحيث تكون نفسه محور همّه ، فإنّ هذا يدفعه دفعاً لإصلاح نفسه بحيث ينشط في تعديل أوصافها وفعالها ، وعندما تكون النفس الإنسانية يقظة نظيفة ، لا غرض للإنسان إلّا الانشغال بها عن غيرها ، فإنّ هذه المعرفة تفضي به للتوجّه إلى ربّه والانقطاع إليه ، فتحصل عنده معرفة دون واسطة ، فيكون وكأنّه عرف الله بالله ، لأنّ النفس آية من آيات الله وأقرب شيء إلى الإنسان ، ومن ثمّ فهي طريق مفتوح إلى الله ، والله سبحانه هو الغاية التي ينتهي إليها الطريق وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ ال - مُنْتَهَى ( النجم : 42 ) . ما يزيد من أهمّية هذا النهج في المعرفة هو تأكيد الهدي الإلهي لأهمّيته والحثّ عليه ، فقد ركّزت عليه الأديان ونبوّات السماء جميعاً . وحسب الطباطبائي : « إنّ الأديان والمذاهب على اختلاف سننها وطرقها لا تروم إلّا الاشتغال بأمر النفس في الجملة » « 1 » ، وقوله : « إنّ الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان والمذاهب والأعمال هو تهذيب النفس » « 2 » . على أنّ هذا الطريق نفسه محفوف بمزالق ومخاطر ، منها ما ذكره أحد روّاده ، بقوله : « اعلم أنّ مَثَل هذا السائر الظاعن مثل مَن يسلك طريقاً

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 6 ، ص 187 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 185 .